ابن قتيبة الدينوري

19

الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة

وأنكروه ولم ينكره غير هم . وقد يأتي الحرف وظاهره العموم ومعناه الخصوص كقول موسى عليه السلام « وأنا أول المؤمنين » وقول النبي صلى الله عليه وسلم « وأنا اوّل المسلمين » لم يريدا كل المؤمنين وكل المسلمين في جميع الأزمنة بل مؤمني زمن موسى ومسلمي زمن نبينا عليهما السلام وكذلك قوله تعالى في بني إسرائيل فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ لم يفضلهم على محمد صلى الله عليه وسلم ولا أممهم على أمته وانما أراد عالمي أزمنتهم . وشيء لم نزل نسمعه منهم على قديم الأيام قد ارتضوه لأنفسهم ودونوه في كتبهم وأجمع عليه عالمهم وجاهلهم وكهلهم وحدثهم في تأويل قول الله عز وجل أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ « 1 » . وقوله : إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ « 2 » وقوله خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ « 3 » وأشباه هذا انه حكم عليهم فإذا نحن تدبرنا هذا التأويل وقابلنا به التنزيل لم نجد هذا المتأول حمل كتاب الله على مثل هذه التأويلات الا لإقامة مذهبه . وحاول بعضهم إبدال بعض حروفه بغيرها فقرأ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ « 4 » بالسين غير المعجمة والنصب وقرأ جميع ما في القرآن من المخلصين بكسر اللام وإن كان قرأ بذلك بعض القراء يريد ان يجعل الاخلاص لهم ولا يكون لله في ذلك صنع فكيف يصنع بقوله إِنَّا

--> ( 1 ) الجاثية 23 ( 2 ) يس 8 ( 3 ) البقرة 7 ( 4 ) الأعراف 156